السيد محمد تقي المدرسي

138

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

صادقاً في دعواه . أما إذا اكتفى بمظاهر العبادة ، فوقف لحظات باتجاه المغرب والمشرق ، وتشبث بحدود الشريعة الظاهرية دون قيمها وروحها ، كما فعلت اليهود ؛ فإنه ليس بصادق ، لأن عمله يكذب لسانه . قال الله سبحانه : ( لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللّهِ وَالْيَومِ الاخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَاتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ الْسَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَاتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ وَحِينَ الْبَأْسِ اوْلَئِكَ الَّذِين صَدَقُوْا وَاوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) ( البقرة / 177 ) 3 / إنما الصادق حقاً هو الذي وفى بعهده مع الله وميثاقه ، بألّا يعبد إلّا الله ، وأن يجاهد في سبيله ، وأن يكون من المؤمنين الذين وفوا بعهد الله فمنهم من استشهد في سبيله أو عبد الله حتى آتاه اليقين ، ومنهم من لا يزال ينتظر . قال الله تعالى : ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا ) ( الأحزاب / 23 ) ونستفيد من الآية الحقائق التالية : ألف : إن الله هو الذي يكتب الشهادة في سبيله لرجال ، والانتظار لآخرين إلى أجل مسمى . ومن هنا فإنهم ما بدّلوا تبديلًا . فها هو حمزة سيد الشهداء يضمّخ بدمه في معركة أحد . بينما يبقى الإمام علي عليه السلام ينتظرها حتى يلاقيها في محراب المسجد بالكوفة بعد ثلاثين ونيف من الأعوام . باء : إن المؤمنين الموفين بعهد الله ينتظرون الشهادة ، وربما بفازغ الصبر . وثم حديث دار بين النبي المصطفى صلى الله عليه وآله والإمام علي عليه السلام يكشف ذلك ، حيث قال الإمام عليه السلام : يا رسول الله ؛ أوَ ليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين ، وحيزت عني الشهادة ، فشقَّ ذلك عليَّ ، فقلت لي : أبشر ، فإن الشهادة من ورائك ؟ فقال لي : إنّ ذلك لكذلك ، فكيف صبرك إذن ؟ فقلت : يا رسول الله ؛ ليس هذا من مواطن الصبر ، ولكن من مواطن البشرى والشكر . « 1 » إذا كانت في الأمة طائفة من المؤمنين ينتظرون الشهادة ، فإن الأمة لا تخشى بإذن الله ذلًا ولا هزيمة ، لأن العدو يهابها . فمن يمتلك القوة امام واله الشهادة والباحث عنها ؟ ؟

--> ( 1 ) خطبة رقم 156 .